مكتبة زكاة العلم


اختلاق اوربا
السعر الأصلي هو: د.ع 45.000.د.ع 38.000السعر الحالي هو: د.ع 38.000.
المؤلف: ايمانويل تود
الناشر: مؤمنون بلا حدود
في كتابه اختلاق أوروبا (L’invention de l’Europe)، يقدم عالم الأنثروبولوجيا والمؤرخ الفرنسي إيمانويل تود مقاربة نقدية حول الفكرة السائدة عن وحدة أوروبا التاريخية والثقافية، متجاوزًا الرؤية التقليدية التي تجعل من القارة الأوروبية كيانًا متماسكًا متجانسًا عبر العصور. يسعى تود إلى تفكيك هذا التصور، موضحًا أن “أوروبا” لم تكن أبدًا وحدة طبيعية قائمة بذاتها، بل هي بناء تاريخي نشأ من خلال عمليات ديموغرافية وثقافية ودينية معقدة، ولم يكن التطور السياسي والاجتماعي لدولها سوى نتاج لهذه العوامل المتباينة.
يعتمد تود في تحليله على منظور الأنثروبولوجيا التاريخية، حيث يقارن بين البنى العائلية والأنظمة الاجتماعية عبر التاريخ، مؤكدًا أن أوروبا ليست كيانًا موحدًا بقدر ما هي فسيفساء من التقاليد الثقافية والعائلية المختلفة. فهو يقسم القارة إلى مناطق ذات نماذج اجتماعية متميزة، مثل أوروبا الأنجلوساكسونية ذات الطابع الفردي والتحرري، وأوروبا الجرمانية ذات النزعة التنظيمية والتسلسل الهرمي، وأوروبا اللاتينية المتأثرة بالكاثوليكية والنظم الأسرية الممتدة، وأوروبا الشرقية التي عرفت بأنظمة بطريركية صارمة وامتزاج بين التقاليد البيزنطية والسلافية. هذا التحليل يجعل من فكرة “الهوية الأوروبية” مفهومًا إشكاليًا، حيث إن ما يُنظر إليه اليوم على أنه قيم أوروبية مشتركة هو، في الحقيقة، تطور حديث وليس جوهرًا ثابتًا في تاريخ القارة.
يرى تود أن التغيرات الاجتماعية الكبرى في أوروبا لم تكن نتيجة حتمية لفلسفة التنوير أو الثورات السياسية فحسب، بل كانت في الأساس مدفوعة بعوامل ديموغرافية مثل نسب الولادات، أنماط الزواج، ومستوى التعليم. يلاحظ تود، على سبيل المثال، أن انخفاض معدلات الأمية كان العامل الحاسم في انتشار الديمقراطية، وليس الأفكار الليبرالية وحدها. وهو هنا يعارض السردية الشائعة التي تجعل من الحداثة الأوروبية نتاجًا خالصًا للفكر التنويري، بل يراها ظاهرة مرتبطة أساسًا بالبنى المجتمعية وقدرتها على استيعاب التحولات الاقتصادية والسياسية.
من خلال هذا الطرح، يرفض تود الرؤية التي تجعل من أوروبا مركز العالم الحضاري والتاريخي، حيث يرى أن الحداثة لم تكن مشروعًا أوروبيًا خالصًا، بل كانت نتيجة تفاعل معقد بين مختلف الحضارات. كما أنه ينتقد التصور الذي يضع أوروبا في مقابل بقية العالم باعتبارها نموذجًا متفوقًا للتطور التاريخي. وهذا يتقاطع مع انتقادات ما بعد الكولونيالية التي ترى في المركزية الأوروبية محاولة لفرض نموذج أحادي للحداثة على العالم.
في القسم الأخير من تحليله، يتناول تود الاتحاد الأوروبي باعتباره كيانًا سياسيًا واقتصاديًا هشًا، وليس تعبيرًا عن هوية ثقافية متجذرة. فمع تصاعد النزعات القومية، وتزايد التفاوت الاقتصادي بين دول الشمال والجنوب، وانهيار الإجماع حول المشروع الأوروبي، يبدو أن أوروبا اليوم في طريقها إلى إعادة اكتشاف تعدديتها الأصلية بدلًا من السعي وراء وهم الوحدة المصطنعة.
يؤكد تود في نهاية كتابه أن أوروبا ليست كيانًا نهائيًا مكتملًا، بل هي مشروع دائم التشكل، يخضع للتحولات الديموغرافية والثقافية والسياسية المستمرة. وبالتالي، فإن فهم التاريخ الأوروبي يجب أن يتحرر من التصورات الإيديولوجية التي تجعل منه مسارًا خطيًا نحو الحداثة، والاعتراف بأنه سلسلة من التفاعلات الديناميكية بين مكوناته المتنوعة. اختلاق أوروبا هو كتاب يضع القارئ أمام تساؤلات جوهرية حول ماهية الهوية الأوروبية، ويجبرنا على إعادة التفكير في السرديات السائدة حول تاريخ القارة ومستقبلها. فهل يمكن لأوروبا أن تستمر ككيان موحد؟ أم أن تعدديتها الجوهرية ستفرض نفسها على حساب وهم الوحدة؟






المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.